وثيقة بدون تجاعيد

13 يناير 2017
+ الخط -
في التاريخ، ثمّة وثائق تظل محتفظةً بنضارتها، على الرغم من مرور السنوات والوقائع، تأبى الإحالة على التقادم والنسيان.
وثيقة 11 يناير 1944، المقدمة من نخبة من الوطنيين المطالبين باستقلال المغرب من هذا النوع، خرجت من بيت عتيق من أحد دروب فاس الضيقة إلى كل شساعة التاريخ السياسي المغربي المعاصر، مدبّجة بلغة "القرويين"، ومذيلة بأسماء الموقعين، تبقى وثيقة بدون تجاعيد.
من معطف هذه الوثيقة الآسرة خرجت فصول أساسية من تاريخ المغربي، وتقاطعت رهانات ومشاريع مختلفة. وعندما تقرأ اليوم لائحة الموقعين، تفكّر حتماً في تلك الإرادة التاريخية للنخبة الوطنية في صناعة التحول، غير أننا قد نتصوّر كذلك كيف اختلفت، فيما بعد، المصائر الفردية للذين اتفقوا على المطالبة باستقلال المغرب في 11 يناير/ كانون الثاني 1944، بين الذين انصرفوا إلى نصيبهم من غنيمة مغرب ما بعد الاستقلال بكل اطمئنان و"وطنية" والذين واصلوا النضال من أجل مضمونٍ أكثر تحرّراً لاستقلال مبتور. بين الذين اختاروا ضفة السلطة الفتية والذين فضلوا تخصيب الفكرة الوطنية بالمطلب الديمقراطي والتقدمي، والذين ركنوا إلى الصمت والعيش على ذكرى توقيع بطعم الشرف.
بعد شهورٍ من تقديم هذه الوثيقة، قام فصل آخر داخل الحركة الوطنية (رفاق محمد بلحسن الوزاني) بصياغة وثيقة مشابهة وتقديمها، لكن الأخيرة ظلت من دون الحظوة التي سيحفظها التاريخ للوثيقة الأولى.
ومنذ ذلك التاريخ، جرت تحت جسر التاريخ المغربي وثائق ومذكرات وبيانات بالعشرات. لكن وحدها وثيقة المطالبة بالاستقلال لعام 1944 ظلت تظفر "بحياةٍ" تستحق التأمل. كثفت، بشكلٍ ما، رمزية الحركة الوطنية، والأكيد أن روح الحركة الوطنية ظلت مستمرةً حتى بعد استقلال 1956، في تحدٍّ واضح لاستشرافات (وتكهنات) أكاديميين أجانب كثيرين تحدثوا بتسرع عن الموت البطيء للحركة الوطنية.
الحركة الوطنية التي وجدت نفسها على قارعة الطريق، بعد تحول 1960، بعيدةٌ عن التأثير في مواقع القرار، لم تجد غير التاريخ لإعادة بناء شرعيةٍ وخطابٍ سياسي يمتحان من مرجعية النضال ضد الاستعمار. هكذا سيبدو المشروع السياسي للحركة الديمقراطية امتداداً تاريخياً للمشروع الوطني لحركة التحرر.
من هنا، ظلت الإحالة على التاريخ، وضمنه وثيقة المطالبة بالاستقلال، استثماراً مستمراً للشرعية الوطنية، وبحثاً موصولاً عن منح المطلب الديمقراطي شرعية العمق التاريخي للحركة الوطنية.
حتى اليسار المغربي كان وليداً طبيعياً لفكرة الوطن، لا لفكرة الطبقة. لذلك، لم يستطع الخروج من معطف الحركة الوطنية، وظلّ يطوّر خطاباته ومخياله الإيديولوجي وأفكاره وتمثلاته، من المرجعية الأم، المرجعية الوطنية، التي شكلت المعين الرئيسي لثقافته السياسية ولردود فعله الفكرية. وهكذا ظلّ مشدوداً لفكرة "الإصلاح" ولمنهجية "التوافق" في التدبير السياسي لمعارك مغرب الاستقلال. ولذلك، ظل يحتفي، مع عموم القوى الديمقراطية، بذكرى تقديم الوثيقة، مسبغاً عليها مضامين الحاضر ورهاناته. لذلك ربما اختارت الكتلة الديمقراطية أن تعلن برنامجها الإنقاذي، في منتصف التسعينات، في شكل بيانٍ من أجل الديمقراطية، يوم 11 يناير بالضبط.
هذا اللجوء إلى التاريخ، وهذه العودة المنظمة إلى لحظة النضال الوطني، هو ما جعل الوثيقة الشهيرة تبقى جزءاً من الإحالات التاريخية الأكثر تردّدا في الخطاب السياسي للمغرب المعاصر، خصوصاً عندما أصبحت تستعمل كذلك لإسناد مطلب الإصلاحات السياسية والدستورية. حتى كادت تتحوّل كل الحاجة إلى هذه الإصلاحات داخل خطاب الحركة الوطنية إلى مجرد وفاء ضروري للشق الثاني من وثيقة 11 يناير، بعد تحقّق الشق الأول المرتبط بالاستقلال.
هل للأمر علاقة بأزمة في الخيال السياسي تجعل المطالبة بالديمقراطية لا تكتمل شرعيتها كدعوة سياسية إلا بالتذكير بشقٍّ غير متحقق في وثيقةٍ تعود إلى سنوات الأربعينات؟ أم إنه ثقل التاريخ في مجتمعٍ لا يثق في المستقبل، مجتمع يحمل علاقةً مرضيةً مع ماضيه، وهو ما يجعل الخطاب السياسي للنخبة يحمل هذا النفس الاستراتيجي للتاريخ، حيث المستقبل لا يوجد حتماً خارج استعادة إحدى لحظات الماضي؟
أتساءل، وأنا أفكّر في باحثين، تأسيساً على جهد تنقيبي، شكّكوا أساساً في وجود شقٍّ ثان يتحدث عن تأسيس نظام ديمقراطي داخل الصيغة الأصيلة لوثيقة المطالبة بالاستقلال. ولعل هذا ما يقترب من سقف "الممكن" و"المفكّر فيه" لدى النخبة السياسية للحركة الوطنية خلال سنة 1944، ومن روح المرحلة.
ولعل هذا ما يفسّر لماذا قد يكون أقحم "الشق الثاني" في لحظةٍ ما، بحثاً عن شرعنة تاريخية لمطلب ينتمي إلى المستقبل.
2243D0A1-6764-45AF-AEDC-DC5368AE3155
حسن طارق

كاتب وباحث مغربي