اتجه النظام المصري بعد أربع سنوات من الحرب الدائرة في شبه جزيرة سيناء بين قوات الأمن وتنظيم "ولاية سيناء" المبايع لـ"داعش"، إلى استخدام ورقة القبائل بإقحامها في أتون المواجهة المستمرة، ما يشير إلى فشل النظام في تحقيق انتصار حاسم في مواجهة "داعش". فالتصعيد المستمر منذ ثلاثة أسابيع بين مجموعة ليست بقليلة من عائلات قبيلة الترابين التي تمثّل أكبر قبائل سيناء، والمدعومة من جهات في الدولة عبر شخصيات في القبيلة، يطرح أسئلة عدة عن توقيته، ومعادلات الكسب والخسارة فيه، ولمصلحة من يتجه النظام إلى إشعال نار الحرب الأهلية في سيناء.
كذلك من شأن هذا التصعيد أن يدعم رواية النظام المصري أمام الجمهور بأنه يخوض حرباً ضد الإرهاب في سيناء، وأنه لا يستهدف المدنيين، أو يقصد تهجير سكان محافظة شمال سيناء، بدليل أن الأهالي، والمقصود الجزء المشارك من قبيلة الترابين، يشاركون الدولة في حربها ضد التنظيم، لتصبح وكأنها معركة أهل سيناء بأكملهم. وهذا ما ظهر جلياً في وسائل إعلام مؤيدة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، التي رأت في مواجهة التنظيم مع القبيلة، انتصاراً للدولة ودحراً للإرهاب، على الرغم من أن عدد القتلى المدنيين برصاص قوات الأمن لا يتوقف عن الارتفاع منذ بدء الحرب.
وفي آخر إحصائية لمنظمة سيناء لحقوق الإنسان، أكدت أن محافظة شمال سيناء المصرية شهدت في إبريل/ نيسان الماضي انتهاكات مختلفة راح ضحيتها مدنيون، قامت بها، بشكل أساسي قوات الشرطة والجيش، بالإضافة إلى جماعات مسلحة. وأوضح تقرير المنظمة، التي تتخذ من جنيف مقراً لها، أن ما لا يقل عن 30 مدنياً قُتلوا، من بينهم 7 أطفال و3 نساء، وأصيب نحو 28 شخصاً، من بينهم 8 أطفال وامرأة واحدة، وذلك في انتهاكات واعتداءات وقع أغلبها في مدينتي رفح والعريش.
وتجاهلت الدولة أن دعمها لقوة مدنية لمواجهة "داعش"، يُظهرها في مظهر الضعف، فكيف لدولة تملك جيشاً بحجم القوات المسلحة المصرية بأذرعها المختلفة، أن تلجأ إلى قبيلة كي تحسم مواجهتها مع تنظيم لا يتجاوز في تعداده كتيبة في الجيش المصري.
ولم يُخفِ الجيش المصري تأييده للتصعيد القائم، وهو ما جاء على لسان وزير الدفاع صدقي صبحي في احتفالية تسليم وتسلم قيادة الجيش الثاني قبل بضعة أيام، إذ تحدث عن عودة سيناء واحة للأمن والأمان بتعاون الجيش مع أهالي وعقلاء سيناء الشرفاء الذين كانوا ولا يزالون خط الدفاع الأول جنباً إلى جنب مع رجال القوات المسلحة للحفاظ على هذه البقعة الغالية من أرض الوطن، وفق وصفه.
أما على صعيد تنظيم "داعش"، فهو على الرغم من استفزازاته للقبائل في السنوات الماضية، إلا أنه لم يدخل في مواجهة معها، وبدا أن التصعيد الأخير مع قبيلة الترابين لم يكن في حسبانه في الوقت الحالي على أقل تقدير، لما لذلك من انعكاسات سلبية عليه. ومن الواضح أن ما جرى عرقل خطط توسعه وبسْط نفوذه في محافظة شمال سيناء، خصوصاً في ظل تركز وجوده في مناطق جنوب الشيخ زويد ورفح، وهي المناطق التي تتمتع بكثافة سكانية من القبائل وخصوصاً قبيلة الترابين.
وعلى الرغم من عدم معرفة العدد الدقيق للقوة البشرية للتنظيم، أو القوة العسكرية التي يتمتع بها، إلا أن المعادلة في سيناء تشير إلى أن اتحاد الجيش مع مجموعات قبلية سيكون له أثر سلبي على التنظيم، وقد يؤدي إلى تعرضه لضربات قوية، خصوصاً أن المجموعات القبلية التابعة للترابين تعرف المنطقة جغرافياً كما أفراد التنظيم، على عكس قوات الجيش التي تجهل المنطقة جغرافياً، وهو ما ظهر في إخفاقها في تحقيق إنجازات ميدانية مهمة طيلة السنوات الماضية.
في المقابل، فإن ما يجري في سيناء حالياً، يريح الطرف اللاعب في سيناء، وهو إسرائيل، التي يهمها كل حدث يقع في هذه الأرض، وبالتالي فإن تصاعد الحرب ضد "داعش"، ودخول أطراف جديدة في المعركة ضده، يشجع إسرائيل على مواصلة أعمالها العسكرية والاستخبارية. وتبقى الساحة في سيناء مفتوحة على الاحتمالات كافة، خصوصاً بعد خروج الأوضاع عن حدود تدخّل الأطراف لحل النزاع القائم، في ظل الحشد العسكري المتواصل من الطرفين، وتبادل الاستهدافات.